ابن سبعين

8

رسائل ابن سبعين

واغتبطوا بما أنتم عليه ، فما في العصر من يصل إليه ، والقوي الذنب منكم لا تقبلوا له توبة إلا بحلق الرأس ، ولبس الصوف ، والوقوف من المغرب إلى العشاء الآخرة ، والصمت . ومن يسمع منكم من يتكلم القبيح في التحقيق وأهله فازجروه واهجروه ووبخوه وذموه ، وتغافلوا عنه ولا تقبلوا بعد ذلك منه . واعلموا أنه لا حاجة لي في السماوات ولا في الأرض ، ولا في الدنيا ولا في الآخرة ، ولا في الأمل المقدر ، ولا في الكون المكون ، ولا في النظام القديم ، ولا في التعليق الصرف ، ولا في الشأن المشار إليه ، ولا في الجسوم المقيدة ، ولا في الذوات المجردة ، ولا في الأعراض المبددة ، ولا في الكمالات الممتدة ، ولا في الحروف المعتدة إلا في ذات اللّه ، وفي ذات من صحبني من أجله . والسلام على من صلحت نسبته ، واستقامت سنته ، ورحمة اللّه تعالى وبركاته ! . ومن كلامه رضي اللّه عنه : من طلب ظفر ، ومن ظفر ربح ، ومن ربح تأنس ، ومن تأنس نشط ، ومن نشط زاد طلبه ، ومن زاد طلبه أخرج ما لم يقصده ولا يخطر له على قلب ، وهو كماله الأخير ، ومن حصل له كماله الأخير كان من السعداء ، ومن كان من السعداء اشتدّ طلبه ، وزاد شوقه ، وعاين الذوات المجردة ، وكشف له عالم الأمر ، وطالع النظام القديم ، ومن طالع النظام القديم وقف طلبه من حيث عادته وصفاته ، وتحرك من حيث خرق عادته وصفاته بجوهره ، ومن خرج للفعل من كل الجهات شاهد الذات القديمة بتخريب نظام الحادثة حتى من خبر خبرها ، ومن إشارتها ومشيرها ووحّد وركب التوحيد بالسلب الموجد ، وجميع ما يعلم سوى الواحد عزّ وجل ، وقال : لا اله إلا اللّه ، بالقضية المستقبلة وهو بالماضية وطلبه بالحاضرة . ومن كلامه رضي اللّه عنه : العقل عند الأشعري غير الروح ، وعند الحكيم قولك عقل وقوة مجردة ، ونفس ناطقة ، أو روح أسماء مترادفة . والروح عند علماء الصوفية غير ما ذكر : تارة يطلقونها على الحق الذي قامت به السماوات والأرض ، وقيل : هي صفة من صفات الذات ، وتارة يطلقون عليها الكلمة ، وتارة القضية الجزئية ضابطة النظام فيها كان كل موجود ليست بفيض ، وكانت متحدة تعم الأشياء ، وليست باتحاد ، وإن كانت ألزم للشيء من ذاته ، وليست بحالة ، وإن كانت جزء ماهية من الشيء المضاف إليها ، وإليها يشيرون حيث قولهم : إن في كل شيء سرّا من سره : جمد في الجمادات ، وظهر في النبات ، وتحرك في الحيوان ، وأعلن في الإنسان .